عودة الأصالة في تصميم الشعارات: لماذا ستفوز اللمسة البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

عودة الأصالة في التصميم وتصميم الشعارات… التنبؤ الذي أراه أمامي

هناك تحول قادم في عالم التصميم والهوية البصرية، تحول أراه يتشكل بهدوء وسط ضجيج الأدوات الذكية التي تنتج خمسين فكرة خلال تحضير فنجان القهوة. نعم، الذكاء الاصطناعي أدهشنا، لكن المفارقة أن وفرة الجمال خلقت مشكلة جديدة: جمال رخيص، جمال بلا روح. شعارات وتصاميم مصقولة ونظيفة ولطيفة، ومتشابهة بشكل مقرف وكأنها ضُبطت جميعاً على نفس الإعدادات.

ومع هذا التشابه الممل، سيبدأ الناس بالبحث عن العلامة التي تحمل شيئاً يشبههم؛ شيئاً فيه بصمة يد إنسان، أو لحظة تردد المصمم وهو يعيد رسم حرف، أو ضربة قلم خرجت عن الخط ثم قررت أن تبقى لأنها ببساطة أجمل من نسختها المحسنة. فكما عاد الفينيل بعد أن ظن العالم أن الموسيقى الرقمية هي النهاية، وكما اشتاق الناس لهواتف نوكيا بعد انشغالهم بآيفون، ستعود الأصالة إلى تصميم الشعارات حين يكتشف الجمهور أن الكمال الآلي جميل… لكنه جميل مزعج.

 

سكتشات شعار عربي مرسومة يدوياً من أعمال نهاد تيسير، توضح مراحل تطوير الهوية البصرية بأساليب قلم الرصاص والحبر

في رأيي، هذا التحول ليس رومانسية ولا حنيناً غير موضوعي، بل حركة طبيعية تحدث كلما بالغنا في الصناعة. الدراسات في مجالmultisensory branding   توضح أن الإنسان يتفاعل بشكل أعمق مع ما يحمل أثراً بشرياً. يمكن قراءة مثال على ذلك في هذا البحث  كما تشير تحليلات متعددة في Psychology and Marketing إلى أن المستهلك يقيّم المنتجات ذات الطابع اليدوي أعلى من تلك التي تبدو مجهزة آلياً بالكامل؛  يمكن الاطلاع على أحد هذه الأعمال هنا

طبعاً الذكاء الاصطناعي لن يغادر الساحة، بل سيزداد قوة وسيطغى على عملية التصميم، إلا أن هذا الطغيان نفسه سيخلق تمايزاً جديداً. فوسط بحر ممتد من المخرجات المتشابهة، سيبرز أولئك الذين يعملون باليد والعقل والوعي. الميزة لن تكون في القدرة على توليد الشعار، بل في القدرة على اتخاذ القرار: ماذا نُبقي، وماذا نحذف، وأي تفصيل يستحق أن يعيش داخل الهوية البصرية.

ستظهر فجوة واضحة بين من يكتفي بما تعدّه له الأداة، ومن يستخدم الأداة ليصنع شيئاً يشبهه ويشبه العلامة. ومع مرور الوقت سيصبح واضحاً أن الغلبة ليست للصورة الأسرع إنتاجاً، بل للفكرة الأعمق والأقرب إلى جوهر العلامة.

لهذا أرى أن الشعارات التي ستحقق حضوراً قوياً في السنوات القادمة ستكون تلك التي تحمل لمسة بشرية، ولو خفيفة. خط فيه نبضة، انحناءة مقصودة، خامة تضيف صوتاً خافتاً للتصميم، أو حتى عيب صغير جميل يتذكره المشاهد. هذه التفاصيل ستصبح بطاقة الهوية الحقيقية للعلامة، في عالم يستطيع فيه الجميع إنتاج الجمال… لكن قلة فقط تستطيع إنتاج الأصالة.

الذكاء الاصطناعي سيستمر، وسيقدّم لنا أدوات مذهلة، وسيختصر وقتاً لا يُقدّر بثمن، لكنه لن يعرف كيف يصنع هوية يشعر بها المتلقي. الهوية التي تعيش ليست تلك التي تبهر بسرعة، بل تلك التي تمنحك إحساساً أن وراء هذا الشكل إنساناً يفكر ويختار ويعبّر. وفي مستقبل مزدحم بالمحتوى الذي تصنعه الآلة، ستكون الأصالة هي الرفاهية الجديدة، وسيكون الشعار الصادق هو النسخة التي يفضّلها القلب… حتى لو تنازل قليلاً عن المثالية.